أموال وزوجة المفقود في الحرب: الأحكام الشرعية والقانونية وفق قانون الأحوال الشخصية السوري:

  • Home
  • أحكام وقضايا شرعية
  • أموال وزوجة المفقود في الحرب: الأحكام الشرعية والقانونية وفق قانون الأحوال الشخصية السوري:

تسبّبت الحروب الممتدة—كما هو الحال في سوريا—في فقدان الآلاف من الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم، فلا يُعرف إن كانوا أحياء أم أمواتًا، ولا يُعلم مكان وجودهم. ومع غياب المفقود تتعقّد أوضاع زوجته وأمواله وحقوق ورثته، فيحتاج الناس إلى حكم شرعي وقانوني يُنهي هذا الإشكال ويعيد الاستقرار إلى الأسرة والمال. وقد عالج قانون الأحوال الشخصية السوري هذه المسألة بوضوح في المادتين 202 و203، وسنستعرض اليوم الأحكام الأساسية المتعلقة بالمفقود، وكيفية إقامة الدعوى لاعتباره ميتًا، وما يترتب على ذلك من آثار تخص الزوجة والأموال، باختصار دقيق ومركز ودون تجاوز لما ورد في النص الأصلي.

يفرق القانون بين المفقود و الغائب، وهو تفريق أساسي في فهم الحكم:

  • المفقود: هو كل شخص لا تُعرف حياته من مماته، ولا يُعرف له مكان. فهو منقطع الخبر تمامًا.
  • الغائب: هو من كان مكانه مجهولاً لكنه محكوم بكونه حيًّا، أي لم تنقطع أخباره بالكامل.

وبهذا يظهر أن حالة المفقود أكثر خطورة، لأنها لا تمنح اليقين بالحياة أو الموت، وهو ما يستوجب إجراءات قضائية خاصة.

ميّز القانون بين حالتين عند النظر في فقدان الشخص:

إذا كان الفقد في الظروف العادية (غير الحربية)، فإن حالة المفقود تنتهي بإحدى ثلاث:

  1. عودة المفقود
  2. ثبوت موته الحقيقي
  3. بلوغه سن الثمانين

ويكون بلوغ الثمانين دليلاً قانونيًا على انتهاء حياته حكماً.

اعتبرت وزارة الدفاع السورية أن البلاد في حالة حرب منذ 15/03/2011، وبذلك تطبّق المدة الاستثنائية.
وبموجب ذلك: يُحكم بوفاة المفقود حُكمًا في اليوم التالي لمرور أربع سنوات على فقدانه. وبعد الحكم بوفاته:

  • توزّع تركته
  • يُحسم وضع زوجته الشرعي
  • تُعامل حقوقه معاملة الميت حكمًا

وهنا يجب التأكيد أن الموت هنا حكمي وليس حقيقيًا، أي أنه تثبيت قانوني للوفاة بناءً على مرور المدة، لا على وجود جثة أو دليل قاطع.

تشترط المحكمة توفر عدد من الوثائق والشهادات قبل إثبات الحكم، وهي:

  1. طلب تعيين وكيل قضائي عن المفقود، أو تثبيت الوكالة الموجودة مسبقًا.
  2. إبراز “لا حكم عليه” للوكيل، ويُفضّل أن يكون الوكيل من أقارب المفقود غير الوارثين.
  3. توثيق ضبط شرطة يثبت واقعة الفقدان وظروفه.
  4. بيان من دائرة الهجرة والجوازات يؤكد عدم خروجه من البلاد.
  5. شاهدان يعرفان المفقود ويشهدان بفقدانه وظروف انقطاع خبره.

وتوجّه الخصومة حصريًا إلى الوكيل القضائي، وهو الطرف القانوني الذي يمثل المفقود أمام المحكمة.
بعد التحقق من مرور أربع سنوات على فقدانه، يحكم القاضي باعتبار المفقود ميتًا حكمًا، وتُرقّن قيوده المدنية، وتنتهي وكالة الوكيل القضائي تلقائيًا.

  • لا يُعتد بإقرار الوكيل القضائي نيابة عن المفقود.
  • لا يجوز للوكيل استخدام وكالته بعد علمه بحصول الفقدان وقبل تعيينه وكيلاً قضائيًا، وإلا تعرّض للمساءلة القانونية.
  • إذا كانت الزوجة قد تزوجت بعد انتهاء عدتها وتم الدخول بها من زوجها الثاني، فإنها تبقى زوجة للثاني، ولا تعود للأول.
  • إذا لم يحصل الدخول فيُفسخ عقد الزواج الثاني، وتعود الزوجة إلى زوجها الأول.

يستعيد المفقود ما وجد من أمواله لدى الورثة ما دام لم يُتصرّف بها.
أما الأموال التي تصرّف بها الورثة قبل عودته، فلا يحق له المطالبة بها، لأن تصرفهم كان قانونيًا مبنيًا على حكم وفاة حكمي.

قضية المفقود في الحرب من أعقد المسائل التي تواجه الأسر السورية، وقد جاء قانون الأحوال الشخصية ليضع إطارًا واضحًا يحسم مصير الزوجة والمال، ويعيد الاستقرار إلى حياة من تركهم المفقود وراءه. ويُعد الحكم بالموت الحكمي بعد مرور أربع سنوات ضمانة لتحقيق العدالة والتوازن بين حقوق المفقود وحقوق أسرته، دون تجاوز على الشرع أو القانون. ويبقى رجوع المفقود بعد الحكم حالة استثنائية لها أحكام واضحة تحفظ حقوقه وحقوق الآخرين وفق الضوابط الشرعية والقانونية.


Leave A Reply