حكم نكاح الزانية والزاني في ضوء قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾:

تُعد مسألة نكاح الزاني والزانية من القضايا الشرعية التي أثارت نقاشًا واسعًا، خاصة مع انتشار مظاهر الفساد الأخلاقي وغياب التحري عن عفة الخاطب أو المخطوبة عند كثير من أولياء الأمور. ويستند هذا النقاش غالبًا إلى قوله تعالى في سورة النور: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾. ويُعد هذا النص القرآني من الآيات الصريحة الواضحة التي لا تحتمل تأويلًا بعيدًا، ومع ذلك فإن الواقع المعاصر يشهد تهاونًا ملحوظًا في تطبيقه.

تُظهر الآية خطورة جريمة الزنا، وأنها ليست مجرد معصية عابرة، بل رذيلة تُدنّس عرض صاحبها وتصاحبه آثارها الأخلاقية الخطيرة في المجتمع. وقد بيّنت الآية أن الزاني لا يميل إلى نكاحه إلا امرأة زانية مثله، أو مشركة لا تؤمن بالله ولا تلتزم بشرعه. وكذلك الزانية لا يتقدم إليها إلا زانٍ يوافقها أو رجل مشرك لا يلتزم بشرع الله. ثم ختمت الآية بقول الله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾، أي حُرّم على المؤمنين أن ينكحوا زانية أو يزوّجوا زانيًا، ما دام لم يتب من فعله.
ومعنى ذلك أن الله تعالى أراد أن يصون المجتمع المؤمن من اختلاط البيوت الطاهرة بالبيوت التي لم تتنزّه عن الفاحشة، فأغلق باب الزواج الشرعي في وجه من لم يتب من الزنا، حمايةً للأعراض وحفظًا لصفاء الروابط الأسرية.

الآية تتحدث عن الزاني أو الزانية الذين لم يتوبا، وبقيا على صفة الزنا دون تطهر أو توبة نصوح. فمثل هؤلاء لا يجوز للمؤمن أن يتزوج منهم، ولا يجوز لولي الأمر أن يزوّج ابنته لرجل يعلم أنه زانٍ لم يتب. ومن يقدم على الزواج مع علمه بزنا الطرف الآخر يقع في أحد حالين:
إما ألا يكون ملتزمًا بحكم الله ورسوله، فيستحلّ ما حرّم الله، وهذا لا يكون إلا مشركًا لأنه جعل نفسه مشرّعًا مع الله.
وإما أن يكون ملتزمًا بحكم الله لكنه يقدم على الزواج مع علمه بالتحريم، فهذا يعقد عقدًا محرمًا، وجوده كعدمه، ولا يحل الاستمتاع به، ويكون داخلاً في حكم الزاني المسافح.
وبناءً على ذلك، فإن نكاح الزاني والزانية غير التائبين محرم بنص القرآن، ولا يصح عند الله، والعقد القائم على تحريم معلوم عقد باطل لا يُرتّب آثارًا شرعية صحيحة.

نجد في واقعنا المؤلم الذي يعيشه كثير من المجتمعات اليوم؛ أنَّ كثير من أولياء الأمور لا يسألون الخاطب عن عفته، ولا يتحرّون طهره، مع أنهم قد يكونون متأكدين من وقوعه في الفاحشة. بينما تجدهم يرفضون الخاطب لأسباب شكلية أو مادية أو اجتماعية كالفقر أو الطول أو القصر، ويُغفلون أهم شرط في الزواج: العفة.
ويترتب على هذا التساهل الشرعي تساؤلات خطيرة تطرحها الفقرة، وهي:
كم من عقود الزواج اليوم باطلة؟ وكم من الأبناء الناتجين عن هذه العقود يُعدّون – عند الله – من أولاد الزنا؟
وقد يكون بين هؤلاء أبناء يتولّون مناصب حكومية، أو يقفون إمامًا بالناس، أو يشرّعون في مواقع السلطة. ونؤكد أن ابن الزنا لا يحق له أن يكون إمامًا أو قائدًا أو مشرّعًا للناس.
إن هذا الطرح يفتح بابًا واسعًا للتفكير في خطورة التساهل بالزنا، وفي ضرورة مراجعة معايير اختيار الأزواج، لأن البيت الذي يُبنى على معصية صريحة لا يُنتظر منه أن يثمر صلاحًا واستقامة.

فالأولياء لا يرفضون الخاطب لأنه زانٍ أو فاسق، وإنما يرفضونه لأسباب دنيوية لا وزن لها في ميزان الشرع. وكأن مظاهر الرجل أهم من طهره، وكأن الشكل يغني عن الدين والعفة. وهذا الانحراف في المعايير جعل المجتمع ينحرف عن طريق الهداية، ويقدّم القشور على الجوهر.
فهل أدركتم أين نحن؟

إن قوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ نص واضح يمنع نكاح الزاني والزانية ما لم يتوبا. ومن يقدم على هذا الزواج مع علمه بالتحريم يقيم عقدًا باطلًا لا أثر له عند الله. وإن التغافل عن هذا الحكم أدى إلى انتشار عقود غير صحيحة، وإلى فساد في البنية الاجتماعية، خصوصًا حين يُقدّم الناس المقاييس الدنيوية على العفة. إن العودة إلى معيار الطهارة في اختيار الأزواج ضرورة لحفظ المجتمع، وصيانة الأسرة، وتحقيق طهارة البيوت كما أراد الله تعالى.

Leave A Reply